الشنقيطي
210
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بفعلهم ، واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وسلم « كل مولود يولد على الفطرة » « 1 » الحديث اه . وبالنظر في هاتين المقالتين نجد الآتي : أولا : التشبيه في المقالة الثانية لا يسلم ، لأن وصف الدواب في حالة المشي ليس وصفا فعليا ، وإنما هو من ضمن خلقه تعالى لها ولم يكن منها فعل في ذلك . ثانيا : ما استدلت به كل طائفة من الحديثين لا تعارض بينهما ، لأن الحديث الأول ، « إن أحدكم ليعمل » لبيان المصير والمنتهى ، وفق العلم الأزلي والإرادة القدرية . والحديث الثاني لبيان مبدأ وجود الإنسان في الدنيا وأنه يولد على الفطرة حينما يولد . أما مصيره فبحسب ما قدر اللّه عليه . وقد نقل القرطبي كلاما للزجاج وقال عنه : هو أحسن الأقوال ونصه : إن اللّه خلق الكافر ، وكفره فعل له وكسب ، مع أن اللّه خالق الكفر وخلق المؤمن . وإيمانه فعل له وكسب ، مع أن اللّه خالق الإيمان . والكافر يكفر ويختار الكفر بعد أن خلق اللّه إياه ، لأن اللّه تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه ، لأن وجود خلاف المقدر عجز ، ووجود خلاف المعلوم جهل . قال القرطبي : وهذا أحسن الأقوال ، وهو الذي عليه جمهور الأمة اه . ولعل مما يشهد لقول الزجاج قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 96 ] . هذا حاصل ما قاله علماء التفسير ، وهذا الموقف كما قدمنا من مأزق القدر والجبر ، وقد زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام ، وبتأمل النص وما يكتنفه من نصوص في السياق مما قبله وبعده : نجد الجواب الصحيح والتوجيه السليم ، وذلك ابتداء من قوله تعالى : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التغابن : 1 ] .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الجنائز حديث 1358 و 1359 ، والقدر حديث 6599 ، والتفسير حديث 4775 ، ومسلم في القدر حديث 22 و 24 ، وأبو داود في السنة حديث 4714 ، والترمذي في القدر حديث 2138 ، ومالك في الجنائز حديث 52 ، وأحمد في المسند 2 / 233 ، 275 ، 346 ، 393 ، 410 ، 481 .